أحمد بن الحسين البيهقي
105
شعب الإيمان
فإذا أثبت المثبت انه ليس كمثله شيء ، وجماع ذلك أنه ليس بجوهر ولا عرض فقد انتفى التشبيه ، لأنه لو كان جوهرا أو عرضا لجاز عليه ما يجوز على سائز الجواهر والأعراض . وإذا لم يكن جوهرا ولا عرضا لم يجز عليه ما يجوز على الجواهر من حيث إنها جواهر كالتأليف والتجسيم ، شغل الأمكنة والحركة والسكون ، ولا ما يجوز على الأعراض من حيث إنها أعراض كالحدوث وعدم البقاء . وأما البراءة من التعطيل بإثبات أنه مبدع كلّ شيء سواه فلأنّ قوما من الأوائل خالفوا المعطّلة ثم خذلوا عن بلوغ الحق فقالوا : إنّ الباري موجود غير أنه علّة لسائر الموجودات ، وسبب لها بمعنى أن وجوده اقتضى وجودها شيئا فشيئا على ترتيب لهم يذكرونه وأن المعلول إذا كان لا يفارق العلّة ، فواجب إذا كان الباري لم يزل أن يكون مادة هذا العالم ، لم تزل معه . فمن أثبت أنه المبدع الموجد المحدث لكلّ ما سواه من جوهر وعرض باختياره وإرادته ، المخترع لها لا من أصل فقد انتفى عن قوله التعليل الذي هو في وجوب اسم الكفر لقائله كالتعطيل . وأما البراءة من الشريك في التدبير بإثبات انه لا مدبّر لشيء من الموجودات إلّا اللّه ، فلأنّ قوما زعموا أنّ الملائكة تدبر العالم وسمّوها آلهة ، وقد قال اللّه تعالى للملائكة : فَالْمُدَبِّراتِ أَمْراً [ النازعات : 5 ] . ومعنى المدبرات : المنفّذات لما دبّر اللّه على أيديها ، كما يقال لمن ينفّذ حكم اللّه بين الخصوم : حاكم . وزعم قوم أن الكواكب تدبّر ما تحتها ، وأن كل كائنة وحادثة في الأرض ، فإنما هي من آثار حركات الكواكب ، وافتراقها واقترانها واتصالها وانفصالها وغير ذلك من أحوالها . فمن أثبت أنّ اللّه - عز وجل - هو المدبر لما أبدع ، ولا مدبر سواه ، فقد انتفى عن قوله التشريك في التدبير الذي هو في وجوب اسم الكفر لقائله كالتشريك في القدم أو في الخلق .